الشيخ محمد هادي معرفة
345
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
الهوسات العابرة ! ويقابل خصومه المفترين عليه بألطف ما يمكن أن يواجه ناصح خصومه الجهلاء : « قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ . وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ . إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ » . هنا صورة واضحة من الجدال الأحسن ، في رفق مع الخصوم الجاهلين ، وفي مناشدة عقولهم في جوّ هادئ وديع : « وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ( لا لُبس فيها ولاغموض ) قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ ( قولًا ظالما لا يستند إلى شبهة ولا ظلّ من دليل ) . أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ؟ ! ( استفهام إنكار ! إذ يبعد أن يقولوه بعد وضوح الحقّ لديهم ! وهنا يردّ على هذه الفرية الظالمة ردّا في هدوء ووداعة : ) قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ ، فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً . هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ . كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ . وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ » . « 1 » ردّ منطقي يدركه المخاطبون لو حكّموا عقولهم فيه ! وهو نظير آية أُخرى : « أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ؟ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي . وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ » . « 2 » ردّ منطقي نزيه ، في تؤدة وسلام ! وهكذا يأمر باللّين معهم في الخطاب ومجانبة البذاء والسباب : « فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ . وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ . فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ » . « 3 » وهذا هو السلوك الحكيم الذي ينبغي لنبيّ كريم . ويقول لموسى وهارون حينما بعثا إلى فرعون : « اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى ( خرج عن محدودة العبوديّة اللائقة بالكيان البشري ) .
--> ( 1 ) - الأحقاف 7 : 46 - 9 . ( 2 ) - هود 35 : 11 . ( 3 ) - آل عمران 159 : 3 .